السيد الطباطبائي

254

الإنسان والعقيدة

وعمل وخلق حسن كأنّ أستار الغيب مرتفعة عنه ، وكأنّ ما وراء الحجاب مكشوف له ، لا يستفزّ عن عينه ، وليس كذلك . وهو المأيوس عن مشاهدة ما وراء الحجاب ، وقد وطّن نفسه لما بعد الموت . فإنّما له صالح العمل وجزيل الثواب فحسب ، لا يرزق خيرا من ذلك . وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ « 1 » . وهؤلاء أيضا طبقة ، وذلك مقامهم في العلم والعمل ، يشتركون مع الطبقة الأولى في العلم ، ويفترقون عنهم في العمل . وإذا فرضنا واحدا من المحبّين المشتاقين ، وهو رجل أخذته بارقة الحبّ ، وجذبته جذبة الشوق إلى لقاء اللّه سبحانه ، فانهدّت أركانه ، واضطربت أحشائه ، وحار قلبه ، وطار عقله ، وانسلّ عن الدنيا وزخارفها ، ولم يقع همّه على العقبى ونعيمها ، ولا دين للمحبّ إلّا المحبوب ولا مطلوب له إلّا المطلوب . إذا سمع اللّه سبحانه يقول لعباده : فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ « 2 » ، ويقول : إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ « 3 » ، ذمّ الدنيا وزخارفها ، وأعرض عن زخارفها لأنّه سبحانه يذمّها ، ولو أنّه مدحها لمدحها على فنائها وخسّتها . وإذا سمعه سبحانه يقول : وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ « 4 » ، مدح الآخرة لأنّه سبحانه يمدحها ، ولو أنّه ذمّها لذمّها على بقائها وشرفها .

--> ( 1 ) سورة الشورى : الآية 27 . ( 2 ) سورة لقمان : الآية 33 . ( 3 ) سورة محمّد صلّى اللّه عليه واله : الآية 36 . ( 4 ) سورة العنكبوت : الآية 64 .